أنا لاأعلم .. ورغم ذلك لا أكف عن التساؤل عن كل شيء .. وحتى لو علمت وتيقنت .. يزداد فضولي لأعلم أكثر مما علمت .. وهكذا هي حالي وحالتي .. مشغوفٌ بالفضول الى درجة (السخافه ) .. ورغم ذلك فكثيراً ماكنتُ أستقبل الكلمات المتهوّرة .. التي يطلقها عليّ جليسي وصاحبي حينما (ألحّ ) عليه بكثرة التساؤلات والتفريعات والتدقيق في أدق الأمور .. وأقل القلائل .. وأبسط البسيطات – إن جاز التعبير – وقد يضطر به الأمر لأن يتمتم ببعض الجمل الغامضة الغاضبة .. ثم يتركني وحيداً ويمتطي سيارته ويهرب الى فضاءات الله الواسعه ..
أعلم أنني غثيث .. و (حقنه ) .. وماعندي ماعند (الخبّاز) .. ورغم هذا فإنني مبسوط و ( رايق ) .. و (مطنّش ) الدنيا ورى ظهري .. و (أردى ماشوف ) العالم .. مع أن العالم برمته لايأبه بي .. ولايعيرني أي اهتمام وليس له فائدة من أن يعيرني اهتمامه .. وقد لاأعني له أي شيء يذكر .. ولاحظو أنني قلت ( قد ) .. فالمسألة لاتزال قيد الشكّ والتكهنات ..!
في أحد الأيّام .. ألقت بي اقدار الله ( ونعم بالله ) للجلوس حول (صينيّة ) عشاء ( مركّزه ) عليها خروف مشوي يتربّع تحت كومةٍ من الأرز الأبيض .. بجانب أحد المدعوّين من ابناء البادية الغلاظ ( العنتريين ) .. وكانت يده تطيش في الصحن كما تشاء .. فتارةً يثلغ رأس الخروف و (يهلس ) جلده ويلتهمه وصوت أضراسه بجانب رأسي تثير الرعب والهلع .. وتارةً (يهرس) جنب الخروف بيده التي يساوي عرضها طولها .. فيخرج منه كومة لحم يرميها على أطراف الصحن بلا مبالاة .. وأكثر مايضفي على جبينه السعادة ويشعر بالزهو .. حينما يملأ يده بكومة هائلة من (الرز ) ثم يضغطها ويعفسها و( يدردمها ) إلى أن تصبح بحجم كرة التنس فيرميها في الهواء ثلاث مرّات قبل أن تستقر في فمه ( اللجوج ) .. ! وهو يحكي ولاتنقطع حكايته ..
أعترف أنني طول الوقت وعرضه .. كنتُ مؤدباً بمافيه الكفاية .. فلم اتساءل عن شيء ابداً كالعاده .. وكانت آذاني (أكبر) من لساني .. حتى أخذ الحديثُ طريقه الى ( الحزن ) وانا الذي أكرهه بشده .. وكيف أنه مشكله (مالها علاج ) .. وكان صاحبي هو (المتسيّد ) في الحديث .. وكان يردد مع كل لقمة .. ( انا .. الحزن صار لي عادهـ ) فابتسمت قليلاً لأني لم أجد للحزن في تضاريس وجهه أي اشاره .. بل أجزم ان الحزن نفسه يتبرأ منه فيما لو أراده .. فقلت (باللي ماهداني ) –وليتني ماقلت - : ( يمكن يكون عاده سريّه ..! )
ولم تكد تخرج جملتي من بين شفاهي .. حتى التفتت كل الرقاب إليّ .. وارتخت الأيادي عن (جعجعة) الأكل وخلتها تستعد للإندلاق فوق رأسي بقوة وعنجهية .. وابتدأت النظرات (المكفهره ) والتمتمات بين الشفاه .. وتهيؤوا جميعاً لجعل ( هدومي ) أطيب مني .. فقفزت من فوري قبل أن يبتدأ ضجيج الكلمات المتقاطعة نحوي .. مردداً : اكرمكم الله ..!
ومن يومها لم يعزمونني حتى على (شاورما ) .. رغم أنني لا أحب الشاورما .. ولو عزموني لها لأجبتهم على مضض .. كل هذا لأنني كنتُ ( إباحياً ) بمايكفي لمقاطعتي .. وضرب ( صليب ) علي .. مع أن عادتي السريّه هي ( الصبر ) على امثالهم ..!
